حيدر حب الله

273

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

محترم قليل الأذية للجيران ، فهذا مدح لكنّه يستبطن تعريضاً به بأنّه يؤذي جيرانه قليلًا جداً مثلًا على خلاف غيره ممّن يكثر أذية الجيران . وأمّا لو أريد منها الذمّ فقط لكان يرجح أن يقول - بعد سلسلة المدح السابقة - : ولكنّه قليل السقط في الرواية ، فحذف كلمة ( لكنّه ) يعزّز فرضية المدح في التعبير والتمييز الإيجابي عن سائر الرواة والمحدّثين . وهذا التعبير الوارد في حقّ الصفار يعدّ من التعابير المهمّة في دراسة الحديث وعمليات نقله ، فهو يوحي لنا بأنّ السائد أو شبه السائد بين النقلة والرواة أنّهم يكثرون من السقط ، فتراهم يسقطون من الحديث كلمةً أو جملةً أو مقطعاً ، ولو كان ذلك لسهوٍ أو غفلة أو غير ذلك بما لا يطعن في عدالتهم وصدقهم من حيث المبدأ . وإذا عمّمنا السقط للسند فقد يكون المعنى أنّهم يكثرون من إسقاط أسانيد رواياتهم ويبقونها مرفوعةً غير متصلة ، وإن كان الراجح بنظري أنّ هذا التعبير ( السقط ) ينصرف عن هذه الحالة ، وأنّه إذا شمل السند فهو يعني سقوط اسم راوٍ في السند إمّا غفلةً مثلًا من الراوي أو الناسخ ، فبدل أن يقول : علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير . . قال : علي بن إبراهيم ، عن ابن أبي عمير ، أو عمداً كأن يسقط اسم شيخه موهماً أنّه روى الحديث مباشرةً عن شيخ شيخه ، وهذا ما يُعدّ أحد أبرز أشكال التدليس في السند ، كما هو معروف في علوم مصطلح الحديث ، وعليه فلم يكن النقلة بالغي الدقّة دوماً لكي لا تفوتهم عبارةٌ أو جملة أو مقطعٌ ما في المتن أو السند ، بل كثير منهم كان مثل هذا سائداً في نقله ، والصفار يتميّز بقلّة هذه الظاهرة عنده وفقاً لنقل النجاشي . وعمليات السقط في الحديث غالباً ما تكون في مجال الاستنساخ ؛ فالنسّاخ يقعون في مشاكل السقط في النقل ، فيسقطون سطراً حيث لا ينتبهون إليه ، وهذا